عبد الرحمن بن عبد السلام الصفوري الشافعي
110
نزهة المجالس ومنتخب النفائس
والآخرة دار الجنة وقلبي دار المعرفة باللّه عز وجل . وقال النسفي رضي اللّه عنه : أكبر العطايا المعرفة وقد وسعها أصغر الأشياء وهو القلب والرحمة أوسع الأشياء فكيف لا تسع المعصية وهي أصغر الأشياء . ( الخامسة ) رأيت في كتاب العقائق أن يوسف عليه السلام نادى في مصر أن الغرباء لا يبيعهم أحد شيئا من الحنطة غيره ليصل إليهم من كرمه كذلك مولانا سبحانه وتعالى لا إله إلا هو يقول يوم القيامة للملائكة حاسبوا أهل الطاعة وأما أهل التقصير فلا يحاسبهم غيري . وفيه أيضا : إذا مات العبد عاصيا وجمع اللّه الخلائق يوم القيامة صفوفا فيدخل في صف العلماء فيمنعونه ثم المصلين فيمنعونه فيقول : وا فضيحتاه ما بقي إلا النار فيذهب إليها بنفسه فيراه مالك فيقول إلى أين تذهب ؟ فيقول إلى النار فيقول من أي الأمم أنت ؟ فيقول من أمة محمد صلى اللّه عليه وسلّم فيقول : اذهب إليه فيقول لا أعلم موضعه فيقول إنه تحت العرش فيذهب إليه باكيا مستغيثا فيقول النبي صلى اللّه عليه وسلّم : إني مشغول بالأمة فعند ذلك ينادي يا من لا شريك له ارحم من لا شفيع له فيقول يا رب أمرتني أن لا أشفع فيه ثم تدخله الجنة فيقول اللّه عز وجل : لما انقطع رجاؤه من الخلق رجع إلي واعتمد علي وأنا الجواد من قصدني وجدني . ( السادسة ) رأيت في تفسير القرطبي رضي اللّه عنه في سورة سبحان أن أبا بكر رضي اللّه عنه قال : قرأت القرآن كله فلم أر فيه آية أرجى وأحسن من قوله تعالى : قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ [ الإسراء : 84 ] فإنه لا يشاكل العبد إلا العصيان ، ولا يشاكل المولى إلا الغفران . وقال عمر رضي اللّه عنه : قرأت القرآن كله فلم أر آية أرجى وأحسن من قوله تعالى : حم ( 1 ) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ( 2 ) غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ [ غافر : 1 - 3 ] فإنه قدم غفران الذنب على قبول التوبة . وقال عثمان رضي اللّه عنه : قرأت القرآن كله فلم أر آية أرجى وأحسن من قوله تعالى : نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ( 49 ) وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ [ الحجر : 49 - 50 ] قدم الغفران والرحمة على أليم العذاب . وقال علي رضي اللّه عنه : قرأت القرآن كله فلم أر آية أرجى وأحسن من قوله تعالى : قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً [ الزمر : 53 ] ثم قال القرطبي رضي اللّه عنه : قرأت القرآن كله فلم أر فيه آية أحسن وأرجى من قوله تعالى : الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ ( 82 ) [ الأنعام : 82 ] ( قال مؤلفه رحمه اللّه تعالى ) قرأت القرآن كله فلم أر فيه آية أرجى وأحسن من قوله تعالى : الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها وَأَنابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرى [ الزمر : 17 ] والمراد من الظلم في الآية التي قرأها القرطبي هو الشرك والعياذ باللّه تعالى . كما قال في صحيح البخاري عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم : « لا يخرج المشرك عن إشراكه عمله كذلك لا يخرج المؤمن عن إيمانه ذنبه » حكاه الرازي في سورة النساء . ( السابعة ) لما نظر يعقوب الدم على قميص يوسف عليهما الصلاة والسلام بكى فلما رأى القميص صحيحا ضحك لأنه علم بذلك سلامة يوسف عليه الصلاة والسلام ، كذلك الملائكة إذا نظرت إلى المؤمن ملطخا بالذنوب تبكي عليه فإذا رأت قلبه صحيحا بالتوحيد والمعرفة فرحت .